
النفط يقفز أكثر من 3% والذهب يتراجع.. مأزق واشنطن وطهران يعيد تسعير الأسواق
وارتفع خام برنت بأكثر من 3% خلال التعاملات المبكرة، قبل أن تقلص الأسعار جزءاً من مكاسبها، بعدما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقترحاً إيرانياً للتوصل إلى تسوية وإعادة فتح مضيق هرمز، ما أعاد المخاوف بشأن استمرار اضطراب إمدادات الطاقة من المنطقة. وكانت عقود برنت تتداول قرب 107 دولارات للبرميل خلال الجلسة، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط مكاسب قوية بدوره.
ويعكس الارتفاع السريع في أسعار النفط مدى حساسية الأسواق لأي تطور سياسي أو عسكري يتعلق بإيران ومضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الممرات البحرية لصادرات الطاقة العالمية. ومع بقاء المفاوضات الأميركية الإيرانية في حالة جمود، عاد المستثمرون إلى احتساب علاوة مخاطر أعلى على النفط تحسباً لأي اضطرابات جديدة في حركة الملاحة أو الإمدادات.
لكن المفارقة جاءت من سوق الذهب، الذي لم يستفد هذه المرة من ارتفاع مستوى التوتر الجيوسياسي بوصفه ملاذاً آمناً، بل هبط بأكثر من 3% خلال تعاملات الاثنين، مسجلاً أدنى مستوى له منذ الخامس من أغسطس.
وبحلول الساعة 10:31 بتوقيت غرينتش، تراجع الذهب في المعاملات الفورية بنحو 3.1% إلى 4155.67 دولاراً للأونصة، فيما انخفضت العقود الأميركية الآجلة لتسليم ديسمبر بالنسبة نفسها تقريباً إلى 4188.10 دولاراً.
ويكشف هذا التحرك عن معادلة أكثر تعقيداً من العلاقة التقليدية بين الأزمات الجيوسياسية والذهب. فارتفاع النفط لا يعني فقط زيادة المخاطر، بل يثير أيضاً مخاوف من موجة تضخمية جديدة، خصوصاً عندما تبقى أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة.
ومع زيادة الضغوط التضخمية، ترتفع احتمالات إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة مرتفعة أو الاتجاه إلى مزيد من التشديد النقدي، وهو ما يرفع عادة عوائد السندات ويدعم الدولار، ويجعل الذهب، الذي لا يقدم عائداً دورياً لحائزيه، أقل جاذبية مقارنة بالأصول المدرة للفائدة.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع أسعار الفائدة في 16 سبتمبر، مشيراً إلى احتمال الحاجة إلى مزيد من التشديد خلال الأشهر المقبلة في ظل استمرار الضغوط التضخمية. كما أظهرت تصريحات مسؤولين في البنك المركزي الأميركي خلال الأيام الماضية ميلاً واضحاً إلى إبقاء مكافحة التضخم في مقدمة الأولويات.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين برميل النفط وسوق الذهب: كل ارتفاع حاد في أسعار الطاقة يمكن أن يزيد توقعات التضخم، وتوقعات التضخم قد تدفع المستثمرين إلى ترجيح مزيد من رفع الفائدة، الأمر الذي يدعم الدولار والعوائد الأميركية ويضغط في المقابل على المعدن الأصفر.
وكان الذهب قد تعرض لضغوط مماثلة خلال الأسابيع الماضية مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وقوة الدولار. كما أشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى أن صدمة أسعار الطاقة قد تتحول إلى مصدر أكثر استدامة للضغوط التضخمية إذا انعكست على تكاليف النقل والإنتاج والسلع والخدمات.
أما النفط، فيبقى مرتبطاً بصورة أكثر مباشرة بمصير الاتصالات بين واشنطن وطهران. فأي اتفاق يضمن استقرار الملاحة وإعادة تدفق الإمدادات بصورة طبيعية قد يؤدي إلى تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تراكمت في الأسعار، بينما قد يؤدي فشل المفاوضات أو عودة التصعيد العسكري إلى دفع المستثمرين مجدداً نحو سيناريوهات نقص الإمدادات.
وكانت أسعار برنت قد اقتربت خلال الأسبوع الماضي من مستوى 100 دولار للبرميل وسط مزيج من القلق بشأن الإمدادات والتصريحات الأميركية المتعلقة بإيران، قبل أن يعيد تعثر مسار التسوية الأسعار إلى الارتفاع بقوة.
وتضع هذه التطورات الأسواق أمام معادلة صعبة: ارتفاع النفط يضغط على الاقتصاد العالمي ويرفع التضخم، فيما يؤدي تشديد السياسة النقدية لمواجهة هذا التضخم إلى ضغوط على الذهب والأسهم والسندات والأصول الحساسة للفائدة.
لذلك لن يكون اتجاه الأسواق خلال الأيام المقبلة مرتبطاً ببيانات الاقتصاد الأميركي وحدها، بل أيضاً بكل إشارة تصدر من واشنطن أو طهران بشأن المفاوضات ومضيق هرمز.
ففي المرحلة الحالية، لم يعد مضيق هرمز مجرد ملف جيوسياسي، بل أصبح عاملاً مباشراً في تسعير النفط والتضخم والفائدة والدولار والذهب في وقت واحد، ما يجعل أي اختراق دبلوماسي أو انتكاسة جديدة في المفاوضات قادرة على تحريك الأسواق العالمية بصورة سريعة وحادة.

المصادر:
- Reuters – أسواق النفط والطاقة
- Reuters – الذهب والمعادن النفيسة
- Reuters – الاحتياطي الفيدرالي والسياسة النقدية



